fbpx
67
0

طريقة عمل الوعي وتطوّره

67
0
طريقة عمل الوعي

الوعي هو الذّي يسمح لنا بأن نكون مدركين لحالتنا الدّاخليّة ولكلّ من محيطنا.

و صحيح أنّ الذكاء والوعي مختلفان إلّا أنهما مترابطان بطريقة كبيرة والحال أن الوعي البسيط قد تطوّر مع سريان الأحداث وكوّن أشكالا أكثر تعقيدًا داخل الدّماغ كما هو الأمر مع الذكاء تمامًا. والوعي عبارة عن خطوط متسلسلة تترابط فيما بينها فتشكّل نوعًا من التّدرج في الوعي. فماهي الخطوات التي حوّلت اللّاوعي إلى الوعي الأساسيّ الذّي لدينا؟

في الحقيقة، يتطوّر الوعي بتطوّر الحواس. فالحواس هي التي تسمح لنا برؤية حدود العالم والكون وبالتّالي نصبح أكثر خبرة في جعل الأشياء من حولنا والتي نشير إليها ب”باللّاوعي” إلى أشياء ملموسة ومحسوسة والتي يشار إليها ب”بالوعي”.

هل سمعتم من قبل بمتلازمة الإهمال النّصفي ؟

تعرف متلازمة الإهمال النصفي بأنها متلازمة عصبية سلوكية تنتج عادةً لدى المرضى المصابين بالسكتات الدماغية. وخصوصًا تلك التي تصيب الفص الجداري حيث يصبح المريض غير منتبهٍ لنصف جسمه المعاكس لمكان الإصابة في الدماغ، بطريقة يتجاهل فيها دماغ المريض أي إشارات عصبية (مثل الألم والإحساس وغيرهما) القادمة من هذا النصف ولا يتم تفسيرها أو معالجتها أو التعامل معها. تظهر هذه الملازمة فرقًا كبيرًا بين عمليّة تحليل الدّماغ للمعلومات وبين تجربتنا لهذه التحليلات التي تمثّل بعد ذلك وعْينا الخّاص بنا.

فنحن مثلا، نعي السيّارة المّارة من جانبنا بقدر وعينا بأنفسنا لنظرنا لهذه السيّارة ووقوفنا على الرّصيف ومشاعرنا الدّاخليّة اللّحظيّة وأفكارنا في تلك اللّحظة. وبهذا الطريقة، يصبح الوعي عبارةً عن صورة الدماغ غير الكاملة لنشاطه.

ورغم أنّ متلازمة الإهمال النصفي تجعل الأشخاص غير قادرين على تحديد الوجودات الكامنة في النصف المعاكس للنصف الدّماغي المتضرر، إلّا أن تجربة علميّة أظهرت أمرًا مثيرًا للإعجاب. حيث تمّ تقديم صورتي منزلين لمريضة مصابة بمتلازمة الاهمال النصفي للجانب الأيسر، أي أنّها لم تكن قادرة على الانتباه والتركيز في الجانب الأيمن من مجال رؤيتها ولم تكن قادرة على معالجة وإدراك المُنبهات في الجوانب اليمنى من الأجسام التي تراها أو البيئة المحيطة بها.

كان المنزل الأوّل مشتعلًا بالنيران في النّصف الأيمن من الصّورة في حين أن المنزل الثّاني كان سليمًا بالكامل. وحين تمّ سؤالها عن أي من المنزلين تفضّل، كان اختيارها المنزل الثّاني رغم إعادة التّجربة وتغيير المجريات. وبالتّالي، فرغم أنّ صورة المنزلين لم تكن مختلفة بالنّسبة إليها إلى أنّ الدّماغ يعي أنّ المنزل الثاني آمنٌ عكس الأوّل.

حتّى أنّه تم القاء كرة على جانبها الأيمن فقامت بتفاديها دون أن تدرك الكرة من أساسه ودون وعيها لسبب قيامها بتلك الحركة المفاجأة. أي أنّ دماغها قد حدّد بالفعل وعيها الخاص من خلال تجاربها السّابقة حين كانت سليمة عبر صنع نماذج تحدد الخطر من عدمه وقام بالتّدخل في قدرتها على اتخاذ القرارت دون ادراكها للمجريات الحقيقيّة التي تدور من حولها أثناء التّجربة.

أعلم أنّ الأمر معقّدٌ بعض الشيء، لهذا السّبب، سأحاول تبسيطه.

يحلّل الدّماغ المعلومات التي يتلقّاها عن طريق تحليله لحواسنا. ويقوم بعد ذلك، بصنع نماذج تُطوِّر تحليلاتٍ ووصفًا أقلَّ تعقيدًا للأشياء والأشخاص والأحداث التي تلمحها وتعيشها حواسه.

ولا تركّز هذه النّماذج مع كلّ التفاصيل الموجودة في الشيء الذي تصفه الحواس. كلُّ ما يتطلّبه الأمر هو التفاصيل اللّازمة التي تجعل العقل يحدّد إجابة مناسبةً لما يراه ويشاهده.

فمثلا، نحن نرى الضوء على أنّه لونٌ أبيضٌ واحدٌ بما أن نموذجنا المدمج في النظام المرئي يرمز إلى الأضواء البيضاء على أنها سطوع بدون لون. في الواقع، يشتمل الضوء الأبيض على طول موجي يتوافق مع جميع الألوان المختلفة التي يمكننا رؤيتها. وبالتّالي، يعتبر تحليلنا للضوء مبسّطًا أكثر من اللاّزم ولكنّه كافٍ لجعلنا نحدد الضوء على أنّه “ضوءٌ”. يحصل الشيء نفسه في دماغنا عندما نريد التنقّل أو القيام بحركة جسديّة معيّنة.

فنحن في تلك اللّحظة، لا نحتاج إلى تحليل عمل الدّماغ وارتباطه بالخلايا والعضلات. لا يستحقّ الأمر أكثر من أنّنا نمشي أو نتحرّك لأنّنا أردنا ذلك. وبما أنّ دماغنا قد حدّد بالفعل نموذجه الخّاص عن تلك الحركة، فهو يعي طريقة القيام بها بكلّ بساطة.

في الحقيقة، يحتاج الدّماغ البشريّ إلى تحليل نماذج مختلفة تمثّله أيضًا. لتوضيح ذلك، للدّماغ قدرةٌ على التّركيز على حدث أو شيء معيّن كما يستطيع التّحكّم في ذلك التركيز وحدّته عبر نقل التّركيز نفسه من شيء إلى آخر ومن الدّاخل إلى الخارج بالرّجوع إلى احتياجاتنا. وبدون هذه القدرة على التّحكّم في التركيز، فلن نكون قادرين على تحديد المخاطر أو التركيز على إغلاق الماء بعد الاستحمام ولن نكون قادرين على استعمال أبسط وظائفنا الحويّة حتَّى.

وللتحكّم في هذا التّركيز بطريقة فعّالة، على الدّماغ أن يبني نماذجَ عن تركيزه الخّاص. وذلك بالإستعانة إلى 96 مليار خليّة عصبيّة تعمل وتتفاعل مع بعضها البعض دون توقّفٍ. وبالاستعانة لهذه الخلايا، لا يمكن لنموذج الدماغ الخاص بمعالجة المعلومات الخاصة به أن يكون وصفيًا ذاتيًا تمامًا. مثلما هو الأمر مع رؤيتنا للضوء أو قيامنا بحركة جسدّية، فنحن لا نحتاج أن يكون هذا الوصف ذاتيًّا تمامًا.

والحال أن قد يأتي يقيننا من أن لدينا تجربة ميتافيزيقية ( الميتافيزيقيا هي من أهم وأول الأطروحات الفلسفية التي تحاول تفسير ووصف الطبيعة الأولى للأشياء، أي أصل تكوينها ومبدأ نشأتها، وخصائصها الأولية، وبنية كينونتها، وأساسِها)

ذاتية من أحد نماذج الدماغ، وهو وصف قاطع لما تعنيه معالجة المعلومات بطريقة مركزة عميقة.

يحاول العلماء منذ سنين طويلة معرفة الطريقة التي يصنع بها الدّماغ نموذجه الخّاص به.

أظهرت صورٌ مقطعيّة تقارن أنماط التنشيط العصبي عندما يكون شخص ما واعيًا أو غير واعٍ لمحفز حسي مثل صورة المنزلين لدماغين أحدهما سليم والآخر مصاب بمتلازمة الإهمال النّصفي، أن المناطق المسؤولة عن المعالجة البصرية تنشط أيًا كان المشارك واعيًا أو غير واعيٍ بالصورة. في حين أن منطقة اضافيّة أخرى تكون نشيطة فقط إذا ما كان الشخص واعيًا كامل الوعي بالصّورة التي يراها.

حاولت في هذا المقال أن أبّسط لكم الوعي وطريقة عمله داخل الدّماغ وكيفيّة معالجته لمجريات حياتنا وتأثيره على قراراتنا.

ولكن يجب أن نشير إلى أنه رغم تطوّر الوعي أو الوعي بالذّات فقط تطوّرت الحياة أكثر فأكثر وأصبحت أكثر تعقيدًا بسبب التكنولوجيا ووسائل التّواصل الإجتماعي. فكلّما غاب وعينا بذاتنا ارتفع احتمال تعرّضنا للقلق والتّوتّر واستمرار تفكيرنا بالماضي والمستقبل عوض الحاضر. فمن أجل تدريب هذا الوعي والحفاظ عليه، يُنصح بالتّأمّل وممارسة اليوغا والتقليل من استخدام وسائل التواصل الإجتماعي.

حمل تطبيق ريدز عبر جميع المنصات و على هذا الرابط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.