fbpx
32
0

المقاومة الداخليّة: كيف نتعايش مع التأجيل والتسويف؟

32
0
التّأجيل والتّسويف

في بعض الأحيان، نعيش مراحل صعبة طويلة. وتصبح تصرّفاتنا مثقلة بالكسل والتفكير الزّائد كأن تقول : “سأكون اليوم أكثر إنتاجيّة وأتمّ كلَّ أعمالي!” ولكنّ يومك ينتهي كسابقه دون القيام بشيء على الإطلاق. يمر اليوم بطريقة عجيبة لتجد نفسك جاهزًا للنوم على الساعة 11 مساءً تعد نفسك بأن تكون أكثر إنتاجيّة وتتم أعمالك بداية من الغد…وهكذا دواليك!

يقع معظم النّاس في هذه الدّائرة المغلقة أو بما يسميها البعض ب”دائرة الجحيم”. وبمجرد أن تبدأ هذه الدورة، يمكنك أن تجد نفسك فريسة للاشمئزاز من الذات مما يؤدي إلى التآكل والوهن والإحساس بالذّنب.

وهو أمر منطقي.

فلماذا تحتقر ذاتك عندما تنتهك، كل يوم، وعدًا قطعته على نفسك بشأن شيء مهم بالنسبة لك ولكنك لا تعرف سبب تصرّفك بهذه الطّريقة. وليس بإمكانك أن تتوّقف عن التّصرف بهذه الطريقة في الآن ذاته. ليس هذا فقط، بل وتراك غير قادرٍ على إلقاء اللوم على أي شخص آخر لأنك تقوم بكل شيء من أجل نفسك لسبب غامض سخيف لا تفهمه حتى؟

فبالعودة إلى ثقافاتنا وتحليلاتها لتصرّفاتنا، تكمن الإجابة عن هذه الحلقة المعذبة من “عدم القيام بالشيء” في الخطب الذي يعترينا. فبالنسبة للمجتمع، نحن كسالى وغير منتجين وغير مسؤولين إلى حدٍ ما. وقد سمحنا لأنفسنا بأن نصبح مدمنين على هواتفنا. فأصبحنا أكثر تسويفًا من أي وقت مضى. لا نتأمل ولا نلعب الرّياضة إلخ إلخ إلخ…..

يفسّر المدرّبون الشخصيّيون الأمر، بالعودة إلى “دماغ السحلية” الذي يمنعنا من حقّنا الطبيعي في التطور البشري. وكلّ ما يضعنا داخل الحلقة المعذبة من “عدم القيام بالشيء” هو بالأساس خلَلٌ فينا أو في سلوكنا. أي هو جانبٌ يحتاج منَّا أن نسيطر عليه، أو نقضي عليه، أو نروّضه، أو نتركه وراءنا أو نضعه في المكان الذي ينتمي.

خلال السنوات الطويلة التي قضاها المدربون الشخصييّون في مساعدة الناس في التغلب على هذا النوع من العقد، أصبح معظمهم متأكدًا بنسبة 100 ٪ من شيئين: طريقة تحليل المشكلة الأساسيّة ليس دقيقًا كما أنّها ليس مفيدة أبدًا.

أنت لست كسولاً. أنت لست غير منضبطٍ. أنت لست إنسانًا غير مسؤولٍ. وأنت لا تعاني من هراء غموض جملة : “لست قادرًا على القيام بالشيء”.

كلُّ ما في الأمر، أنّك تعاني من “المقاومة الداخلية”. المقاومة الداخلية ليست عيبا، وليست أقوى منَّا . إنه جانبٌ من جوانب الإبداع والنمو البشري الذي يمكن إدارته وتنظيمه. لكن قبل كلَّ شيء، علينا أن نتعرف على معنى “ المقاومة الدّاخليّة” الحقيقيّ.

فما هي المقاومة الداخلية؟

يسمِّي الكاتب “ستيفن بريسفيلد” في كتابه “حرب الفنّ” ( The War of Art )، القوة التي تمنعنا من استخدام مواهبنا ب”المقاومة”. المقاومة قوة معادية غامضة، وهي عدو يجب التغلب عليه. فحسب رأي “بريسفيلد”، نقضي كل يوم في مقاومة “المقاومة” داخل معركة أبدية لا تنتهي.

لقد ساعد نموذج “بريسفيلد” الكثير من الأشخاص. لكننا في النّهاية، لا نؤمن بصحة هذه النظريّة تمامًا. فصحيحٌ أنّ المقاومة جوهرية لاستخدام المهارات وباالتّالي يجب مواحهتها يوميًا،. لكنها ليست قوة دنيوية قاتمة تفسد وجودنا. ومعاملة “المقاومة الدّاخليّة” على أنها عدو خارجي يجب محاربته هي محاولة خاسرة وفرصة ضائعة.

المقاومة الداخلية ليست نزعة خبيثة للكون بذاتها وليست جانبًا مظلمًا مخيفًا! بل هي جزء منا ينمو من نفس التربة تمامًا مثل كل موهبة ومهارة وهدف لدينا: أدمغتنا وتاريخنا الشخصي وعائلاتنا وثقافتنا.

نظرًا إلى أن هذه التربة متفرّدةٌ داخل كلّ فرد منا، فيكون للمقاومة الداخلية أسبابها الخاصة ونكهاتها وتأثيراتها المختلفة. لكن الشيء الوحيد الذي تتشاركه مقاوماتنا الدّاخليّة هو توقع الألم والخوف منه.

لتصبح المقاومة الداخلية محاولةً لتجنب الألم حين يرتبط الأمر بالنجاح في القيام ب”الشيء”.

أسباب هذا الألم فردية مثلنا، ولكن حسب تجارب البعض، عادة ما يكون هذا الألم مرتبطًا بنوع من فقدان الحب والاتصال، سواء كان نابعًا من الآخرين أو من أنفسنا. وهو أمر منطقي: فما الذي يمكنه أيضًا أن يكون مرعبًا عالميًا بدرجة كافية تدفعنا لتجميد مواهبنا وأهدافنا قصد تجنّبه؟

ماذا يمكنك أن تفعل بمقاومتك الداخلية؟

سيصبح من البديهي فهم عدم جدوى التفكير في “المقاومة الداخلية” عبر ربطها بالكسل أو عدم الانضباط. والحال أنّ المقاومة الداخلية ليست كسولة إنّما هي حيوية حدّ الجنون! يتطلب الأمر الكثير من العمل للتراجع عن رغبتنا في المضي قدمًا نحو هدفنا، يومًا بعد يوم.

وإذا حاولنا استخدام الانضباط لزيادة حماسنا نحو الهدف، فسننتهي بنسخة أخرى من نفس المشكلة، لأننا في النهاية نزيد من نسبة المقاومة: فكلما بدا الأمر وكأننا سنصل إلى خط النهاية، كلما زاد الخوف وتمتّنتْ المقاومة.

في الأساس، نحن بالفعل محاصرون في لعبة “شد الحبل الذهني”. ومحاولة فرض الانضباط لا تعني سوى أن كلا الجانبين يجرّان بقوة أكبر.

إذن ماذا يمكننا أن نفعل بدلا من ذلك؟

إليك بعض الانطلاقات السّليمة:

1. أدركْ أن المقاومة الداخلية في صفك

أحد الجوانب المروّعة من الحلقة المعذبة من “عدم القيام بالشيء” هو الشعور بالتدمير الذاتي. لكن المقاومة الداخلية لا تريد تدميرنا بل تريد عكس ذلك تمامًا! فهي موجودة فقط لتحمينا من الألم.

أي أنّك لست بصدد تدمير نفسك. كلُّ ما في الأمر أنّك تملك فكرتان متجذرتان بشدة ومتناقضتان جوهريًا حول مصلحتك: القيام بالشيء أم عدم القيام بالشيء.

2. كن فضوليًا بشأن هذا الألم الذي يقلق عقلك كثيرًا

عندما نفهم هذا الألم الذي نهابه وأسباب خوفنا منه، نصبح قادرين على الحدِّ من تلك المخاوف. هذا هو السبب وراء اعتقادنا بأنّ معاملة المقاومة كقوة خارجية مبهمة أمرٌ خاطئ. المقاومة الداخلية ليست ثابتة. فهي تستجيب للعقل، ولسيناريوهاته البديلة، وذلك لإفساح المجال للعواطف التي تبدو مثل هذا التهديد. ولكن لتغييرها عليك أن تفهم محتواها الخاص بداخلك.

3. عليك التفاوض

قد لا تكون قادرًا على معرفة ما الذي يحفز مقاومتك الداخلية على الفور، وحتى بمجرد القيام بذلك، قد يستغرق الأمر بعض الوقت لمعرفة كيفية معالجة مخاوفك وشكوكك بشأن الألم في المستقبل القريب. في غضون ذلك، نقترح عليك المساومة. هل ستسمح لك مقاومتك الداخلية بالعمل لمدة 10 دقائق؟ ماذا عن خمس دقائق أخرى؟ إذا كنت لا تستطيع العمل بشكل رسمي، فهل يمكنك التحدث في الهاتف؟ ماذا عن عصف ذهنيٍّ عميق في حوض الاستحمام؟

يمكنك إنشاء مساحة أكبر بكثير داخل عقلك. ما عليك فعله هو الانتقال من “أحتاج إلى تطبيق قوة الإرادة حتّى أتوقّف عن كوني إنسانًا سيئًا وكسولًا” إلى “أعاني الكثير من المقاومة الداخلية، دعني أكون مبدعًا في التواصل معها وبناء قدراتي اليوم “.

4. تيقّنْ أنك لست وحدك في هذا

حتى لو لم تكن المقاومة قوة خارقة ، نعتقد أن الكاتب “بريسفيلد” محق في تصورها كشيء يزعج معظمنا. وصحيح أنّ هناك أشخاص نادرون لا يواجهون مقاومة داخلية كبيرة أو هذا على الأقل ما يريدون إظهاره للآخرين. مما يجعلهم يبدون منتجين و لا شيء غير ذلك. لكننا مستعدون للمراهنة على أنك نفسك تبدو مثل هذا النوع من الأشخاص أيضًا أمام شخص آخر في حياتك.

الاستماع لمقاومتك

هناك سبب آخر يجعلنا نؤمن بضرورة التّعامل مع المقاومة الداخلية كشكل من أشكال الحكمة وليس كخصم شرير. فهي تحمل الكثير من المعرفة حول ما نعتقد سرًا أننا قادرون على القيام به. كما هو الحال في: لن يكون عقلك خائفًا جدًا من تكاليف قيامك بهذا الشيء إذا كان يعتقد أنك ستفعل شيئًا غير مهم و يمكن نسيانه.

وبالمثل، قد يكون من المفيد أن تتذكر أن قوة مقاومتك الداخلية هي أيضًا مقياسٌ لمدى رغبتك في القيام بالشيء، بغض النظر عن عدد الأيام التي لن تتمكن فيها من تحقيقه تمامًا. السبب الوحيد وراء عدم انتهاء لعبة شد الحبل و شعورك المستمرِّ بالضيق الشديد هو أنك ما زلت تتجه نحو هدفك، وبالتّالي تحفّز نفسك..

يبدو الموضوع من وجهة نظر حاليّة مرهقً ومحزنًا لأن أحد الفريقين سيظفر بالنّصر في نهاية الأمر وبالتّالي ستخسر جزء منك أيًّا كانت النتيجة. و لهذا السبب نحن نسعى لفهم المقاومة الداخلية. عندما نفعل ذلك، يمكننا إيقاف شد الحبل والبدء في التعامل مع الألغام الأرضية العاطفية التي ينتظرها جزء محدد داخلنا. في بعض الأحيان تكون المخاوف خيالية، وأحيانًا يكون الألم حقيقيًا جدًا. لكن في كلتا الحالتين، ستتحوّل هذه المشاعر وهذه المقامة الدّاخليّة من عائقٍ إلى جزء من تجربة “القيام بالشيء”.

إذا كنت ترغب في تنمية ذاتك أكثر، اطّلع على مختلف كتب تطوير الذّات المتوفّرة على تطبيق ريدز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.